img

دراسة : التغيّرات المناخية الصغيرة نسبيًّا تؤثر على النشاط البركانيّ

منذ 10 شهور

31 views

رحل عشرات الآلاف من الناس عن أراضيهم في جزيرة بالي عندما ثار بركان “جبل آغونغ” المجاور مطلِقًا رماده وقاذفًا حممه. يَــعُـــدُّ كثيرٌ من أهالي بالي ذلك الجبلَ مقدسًا، ويتقبّلون انفجاراته العرضية بوصفها توبيخات على آثامهم، في حين يرى الجيولوجيّون هذا النشاط البركانيّ جزءًا اعتياديًّا من سلوك كوكب الأرض. لكن العلماء وجدوا أن قوةً أخرى تؤثر على معدّل حدوث هذه الانفجارات البركانية، وهي التغيّر المناخيّ. فأظهرت دراسة حديثة أنه حتى الاختلافات المناخية البسيطة نسبيًّا قد يكون لها مثلُ هذا التأثير. وفي حال صحّ هذا الاستنتاج، فإن الاحترار العالمي الذي نشهده اليوم قد يعني أننا على موعد في المستقبل مع انفجارات بركانية أكثر وأكبر.
على مدار تاريخها، مرّت الأرض بفترات من التغيّر المناخيّ الطبيعيّ الهائل، مثل الدخول في العصور الجليدية والخروج منها. ولاحظ العلماء ميل الانفجارات البركانية إلى الازدياد مع ذوبان الأنهار الجليدية. وفي دراسة نُشرت حديثًا في دوريّة “جيولوجي”، درس باحثون التغيّرات الصغيرة في رقعة الأنهار الجليدية؛ لمعرفة ما إن كان لتلك الاختلافات المتزايدة أي تأثير.
وقد انصبّ تركيز العلماء على الانفجارات البركانية التي حدثت في آيسلندا قبل نحو 5,500 إلى 4,500 سنة. في خلال تلك الفترة، كان مناخ الأرض قد برد وازداد حجم الأنهار الجليدية، لكن لم يكن هناك عصر جليديّ كامل. وسعيًا لإعادة رسم خطٍّ زمنيّ للنشاط البركانيّ، عمد الباحثون إلى البحث في سِجِلّ الانفجارات البركانية الآيسلندية، وكذلك سِجِلّ الرماد البركاني المتساقط على أوروبا خلال تلك الانفجارات، والذي استقر في نهاية المطاف في طبقات مجهرية في سبخات القارّة وبحيراتها، وفقًا لما يقوله كاتب الدراسة، جرام سويندلز. وقد قارن جرام وفريقه هذه الطبقات ببراكين آيسلندية معيّنة، ثم خرجوا بخط زمنيّ مُفصّل للزيادات والانخفضات في أعداد الانفجارات البركانية.

وعندما قارن العلماء السجِلَّ البركانيّ برقعة الأنهار الجليدية، وجدوا أن عدد الانفجارات البركانية كان قد تقلّص بالفعل على نحوٍ ملحوظ مع ازدياد برودة المناخ وتمدد الجليد. وتعليقًا على ذلك، يقول سويندلز -وهو أستاذ مشارك متخصص في ديناميكية نظام الأرض بجامعة ليدز-: “هناك تغيّر كبير في السجلّ في منتصف حقبة الهولوسين، حيث نرى انعدام الرماد البركانيّ في أوروبا ووجود كميات ضئيلة منه في آيسلندا. ويبدو أن ذلك يتزامن مع فترة سادت فيها ظروف مناخية باردة، كان من شأنها السماح باتساع الرقعة الجليدية في آيسلندا”. ويضيف سويندلز أن فريقه لاحظ تأخّرًا يبلغ نحو 600 سنة بين اتساع رقعة الأنهار الجليدية وتقلّص النشاط البركاني. “ويعود ذلك إلى أن تشكُّل الكتل الجليدية يتطلّب وقتًا طويلًا”، على حد قوله.

ويقول بِن إدواردز -وهو أستاذ مشارك متخصص في الجيولوجيا بكلية ديكنسون-: “إن الدراسة الجديدة تتناول ما قد يكون أصغر تغيّر مناخيّ لإثبات أن له تأثيرًا على النشاط البركاني. ويشير ظهور هذا التغيّر في فترة واقعة بين عصرين جليديّين إلى أن هناك علاقةً أكثر وثاقةً بين التغيّر المناخي والنشاط البركانيّ” مقارنةً بما كان يعتقده العلماء في السابق. أما جولي شيندلبيك، وهي عالِمة براكين في جامعة هايدلبرج بألمانيا، فتقول إن ذلك العمل يُظهِر أنه “ربما يمكن حتى للتغيّرات الطفيفة في حجم الجليد أن توثر حقًّا في الظواهر البركانية”.
وعلى الرغم من أن العلماء لا يفهمون بالضبط ما يجعل الأنهار الجليدية تبدو وكأنها تُضعِف الانفجارات البركانية، فإنهم يعتقدون أن المبادئ الميكانيكية الكامنة وراء هذه المسألة بسيطة نسبيًّا. فعندما تتَّسع الأنهار الجليدية، يضغط كل ذلك الجليد ضغطًا هائلًا على سطح الأرض. وتعليقًا على ذلك، يقول سويندلز: “يمكن لذلك أن يؤثر على تدفُّق الحمم البركانية والفراغات والتجاويف الموجودة في الأرض التي تتدفق فيها الحمم إلى السطح، إضافةً إلى تأثيره على كمية الحمم التي تستطيع القشرة الأرضية تحمّلها فعليًّا”. وعندما تنحسر الأنهار الجليدية، يزول الضغط وتحدث زيادة مفاجئة في النشاط البركاني. وفي رسالة إلكترونية موجّهة إلى مجلة “ساينتفك أمريكان”، كتب سويندلز: “بعد زوال الأنهار الجليدية، يخفّ الضغط السطحيّ، وعندها تمتد الحمم بسهولة أكبر نحو السطح ثم تنفجر”.
هذا بالضبط ما وجده سويندلز وفريقه عندما درسوا ما حدث عندما ازدادت سخونة الأرض مجددًا وذابت الأنهار الجليدية؛ إذ أحصوا مزيدًا من الانفجارات البركانية. وتوصلوا مرةً أخرى إلى وجود تأخّر زمنيّ، هذه المرة بين ذوبان الجليد وزيادة الانفجارات. لكن هذا الفاصل الزمنيّ كان أقصر. وعن ذلك يقول سويندلز: “إن ذوبان الجليد يتطلب وقتًا أقصر نسبيًّا عندما ترتفع درجات الحرارة”، مقارنةً بما تتطلّبه زيادة حجمه عندما تهبط درجات الحرارة. ويتابع سويندلز الشرح قائلاً: “وعليه، فإننا إذا كنا ندرس فترة من [الاحترار وما يتبعه من] انفجارات بركانية، فإن الفاصل الزمنيّ قد يكون أقصر بكثير”. كما يشير إلى أنه عندما تحدث الانفجارات البركانية خلال الأزمنة الأكثر برودةً التي ينتشر فيها الجليد، يبدو أنها تكون أصغر حجمًا. ومع ارتفاع حرارة المناخ، تزداد الانفجارات قوة.
لكن إدواردز يشير إلى أن الطبيعة الجيولوجية الفريدة التي تتمتع بها آيسلندا تجعلها ناشطة جدًّا بركانيًّا إذا ما قورِنت بالعديد من الأماكن الأخرى، وربما تجعلها أيضًا أكثر عرضةً لتأثير الجليد مقارنةً بمناطق أخرى. وعن ذلك يقول إدواردز: “إنها على الأرجح شديدة التأثر [بنمو الأنهار الجليدية وذوبانها]”.

%d مدونون معجبون بهذه: