img

«الصدمات المناخية» تضاعف طلبات اللجوء إلى أوروبا

منذ 9 شهور

23 views

لم تعد الحروب والصراعات العرقية والطائفية والتمييز والاضطهاد هي الأسباب المحتملة لزيادة الهجرة وطلبات اللجوء لأوروبا. فقد أبرزت دراسة حديثة نشرتها دورية «ساينس» العلمية الشهيرة، سببًا آخر ربما لم يكن متوقعًا.
الدراسة التي أجراها باحثون في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، قالت بأن ما أسمته “الصدمات المناخية” التي تحدث سواء بسبب ارتفاع درجات الحرارة أو انخفاضها يؤدي إلى مضاعفة طلبات اللجوء والهجرة لدول الاتحاد الأوروبي.
كشفت الدراسة أنه من المرجح أن تتراوح نسبة الزيادة في طلبات اللجوء لأوروبا بين 28%، وهو ما يوازي 98 ألف طلب لجوء إضافي، و188%، وهو ما يعادل 660 ألف طلب لجوء، وفي حال وصول طلبات اللجوء سنويًّا إلى هذا الرقم سيكون هذا أسوأ سيناريو يواجه أوروبا، على حد وصف الدراسة.
وفي حال تحقق السيناريو الأسوأ سيكون عشرات الملايين من اللاجئين والمهاجرين قد زحفوا نحو أوروبا بحلول عام 2100.

السيناريو الأسوأ
وأظهرت الدراسة التي استغرقت 14 عامًا، وأعدها الباحثان “أنوش ميزريران”، طالب دكتوراة في مجال التنمية المستدامة بجامعة كولومبيا، و”ولفرام شلينكر”، أستاذ العلاقات الدولية بمعهد الأرض التابع لجامعة كولومبيا الأمريكية، أنه حينما تغيرت درجات الحرارة في 103 من الدول التي شملتها الدراسة ـوبخاصة في المناطق الزراعية في تلك الدول- فإن هذا الأمر أدى إلى نزوح المزيد من مواطني تلك الدول إلى الخارج.
ولفتت إلى أنه في الفترة من عام 2000 حتى عام 2014، تقدم سنويًّا نحو 350 ألف شخص، في المتوسط، بطلبات لجوء لدول الاتحاد الأوروبي، ومعظمهم من دول شرق أوسطية وآسيوية مثل العراق وأفغانستان.
السلوك العدواني
يقول باحثو الدراسة إنهم وجدوا علاقة وثيقة ما بين ما سمَّوه الصدمات المناخية وزيادة طلبات اللجوء، وأشاروا إلى أنهم توصلوا إلى أن طلبات اللجوء للاتحاد الأوروبي تتزايد تزايُدًا مطَّردًا في الدول الـ103 التي شملتها دراستهم.

وأشاروا إلى أنهم وجدوا أن انخفاض درجات الحرارة أو ارتفاعها عن 20 درجة مئوية، يؤدي إلى زيادة الرغبة لدى مواطني تلك الدول في الهجرة، إلا أنهم أكدوا أن ارتفاع درجات الحرارة له تأثير أكبر في زيادة طلبات اللجوء.
وأرجعوا السبب في هذا الأمر إلى أنه حينما ترتفع درجات الحرارة يؤدي ذلك إلى زيادة السلوك العدواني للإنسان، بالإضافة إلى انخفاض القدرة على الإنتاج، ما يؤدي في النهاية إلى انخفاض الناتج القومي للدولة، ويدفع أبناء تلك الدولة للبحث عن فرص أفضل في دول أخرى أكثر ثراءً.
يقول ولفرام شلينكر -الباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات صحفية لـ”للعلم”: “العلاقة بين التغيرات المناخية، خاصة الاحتباس الحراري، وبين زيادة معدلات طلبات اللجوء والهجرة أصبحت علاقة مؤكدة وليست ظنية”.
و توقع شلينكر “أن تصل طلبات اللجوء إلى مليون طلب سنويًّا بحلول عام 2100، بسبب استمرار انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة بشكل مستمر، ومن ثَم فإن الزيادة في طلبات اللجوء قد تصل إلى 188%”.
وفي رده على سؤال “للعلم” المتعلق بأن ما ذهبت إليه الدراسة من أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى خفض الإنتاج وانخفاض الناتج القومي ومن ثَم اللجوء لأوروبا لا ينطبق على دول الخليج الغنية، التي لا يُقبِل أبناؤها على الهجرة لأوروبا رغم ارتفاع درجات الحراة في بلادهم، قال شلينكر: “دول الخليج بلدان نفطية، كما أنها تستورد العمالة من الخارج ولا يتحمل مواطنوها العيش فيها خلال فترات الصيف، فيسافرون للخارج في رحلات سياحية قد تمتد لثلاثة أشهر حتى تنكسر درجات الحرارة في أوطانهم”.

الجفاف والاضطرابات
يتفق الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية، مع ما ذهبت إليه الدراسة، قائلًا: “الظروف البيئية من أهم العوامل التي تؤثر بشكل كبير على قرارات الهجرة واللجوء”.
وأضاف في تصريحات لـ”للعلم” أن تونس كانت تعاني من جفاف شديد خلال الفترة الماضية، وأنها أكثر دولة في المنطقة تعرضت للجفاف خلال العامين الماضيين، ما أثر بالسلب على الإنتاج، وبالتالي رفعت الحكومة الأسعار، فوقعت الاضطرابات التي تشهدها تونس منذ أسابيع، وفق رأيه.
وكانت تونس قد شهدت انقطاعًا متكررًا في المياه وتراجعًا في منسوب السدود، ونقصًا في الري خلال الصيف الماضي نتيجة جفاف لم يحدث منذ سنوات، ما أثار توترات اجتماعية في مناطق كثيرة.
وأدى الجفاف إلى نضوب سدود بكاملها ونفوق أسماكها، مثل سد نبهانة (وسط) الذي تبلغ طاقة التخزين القصوى فيه 23 مليون متر مكعب. وكان هذا السد يروي أراضي زراعية في القيروان وسوسة والمنستير والمهدية (وسط)، ويوفر يوميًّا خمسين ألف متر مكعب من مياه الشرب لسكانها، وفق وزارة الزراعة.

وتشهد مناطق في تونس منذ منتصف مايو الماضي، انقطاعًا متكررًا لمياه الري والشرب، يتراوح بين بضع ساعات وثلاثة أيام، وفق ما أعلن رئيس الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، محمد الداهش، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي، وفق صحيفة الحياة اللندنية.
وعن تأثير درجات الحرارة على سلوكيات البشر وزيادة رغبتهم في الهجرة قال صادق: إن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة السلوك العدواني لدى الأفراد والمجتمعات، وهو ما يؤدي بالفعل إلى انخفاض الرغبة في العمل ونقص الإنتاج، فيضطر الناس للبحث عن أماكن أخرى تتمتع بمناخ معتدل يساعدهم على العمل والإنتاج. وتابع: هنا في مصر ترتفع معدلات جرائم القتل في شهور الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
وزاد: “صدام حسين حينما غزا الكويت، غزاها في الصيف؛ لأن الكويتيين كانوا قد سافروا إلى الخارج هربًا من حرارة الجو”.
وتتوافق هذه النتائج مع نتائج دراسة سابقة، صدرت عام 2015، وربطت بين التغيرات المناخية التي مرت بها سوريا خلال الفترة الماضية، ومنها زيادة نسبة الجفاف فيها ثلاثة أضعاف عن الأوقات السابقة، وبين الثورة السورية والصراع الدائر هناك حاليًّا.
لفتت تلك الدراسة إلى أن تعرُّض مناطق في سوريا للجفاف خلال السنوات العشر الماضية كان من أهم أسباب ما يجري هناك، وهو ما نتج عنه وجود مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في أوروبا.

وتلقت أزمة اللاجئين السوريين ودخول الاتحاد الأوروبي قدرًا كبيرًا من الاهتمام خلال السنوات الأخيرة.
وكانت السنوات السابقة لأزمة اللاجئين السوريين قد اتسمت بجفاف شديد، أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي، مما تسبب في نزاعات اقتصادية واجتماعية.
وكانت دراسة أخرى أجراها باحثون بجامعة كورنيل الأمريكية ونشرتها دورية –لاند يوز بوليسي– العلمية في 27 يونيو 2017 قد أكدت أن عدد اللاجئين سيصل إلى 2 مليار بحلول عام 2100 بسبب التغيرات المناخية .
وأوضحت الدراسة أن تغير المناخ سيؤدي إلى زيادة منسوب مياه البحار والمحيطات، وبالتالي غرق المناطق الساحلية وزيادة أعداد اللاجئين.
وجهة نظر معاكسة
لكن يبدو أن هذه النتائج مثار جدل وانقسام بين الباحثين والعلماء؛ إذ يرى عدد من الباحثين ومن بينهم “جان سيلبي”، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ساسكس ببريطانيا ومدير مركز ساسكس لأبحاث الأمن والصراعات، أن القول بأن التغيرات المناخية لها التأثير الأكبر في زيادة معدلات الهجرة هو قول “غير دقيق”.
وأضاف في تصريحات للبي بي سي: “قد تؤدي صدمة مناخية مفاجئة إلى تدمير المحصول، ولكن الارتفاع التدريجي في درجات الحرارة، والذي يستغرق عقودًا، لا يؤدي إلى تلك النتيجة؛ لأن المزارعين قد يغيرون توقيت زراعة المحاصيل وفقًا للتغيرات المناخية في بلدانهم”.
وكان موقع ساينتفك أمريكان “النسخة الإنجليزية” قد نشر تقريرًا في شهر يناير الماضي يفيد أن التغيُّرات المناخية التي تشهدها إيران من بين أهم أسباب تصاعد الأعمال الاحتجاجية هناك، والتي أسفرت عن سقوط العشرات من القتلى والمصابين. وقال التقرير إن تأثيرات المناخ من بين التحديات التي تواجه إيران، والتي ساعدت على إثارة الاحتجاجات في عشرات المدن بالجمهورية الإسلامية. ووفقًا للتقرير فإن خبراء يدرسون المنطقة رأوا الجفاف الشديد وسوء إدارة الموارد المائية والعواصف الترابية من العوامل التي أثرت بالسلب على الاقتصاد الإيراني، وهو ما أدى إلى وقوع تلك الاحتجاجات.

%d مدونون معجبون بهذه: